البصر إحدى النعم العظيمة التي رزقنا الله تعالى إياها، ولن نستطيع شكرها، ما وسعتنا في ذلك الحيل! وما اهتدى إليه الفكر من سبل! وأبلغ الشكر الحمد؛ فهل تراك أخي تُقدر هذه النعمة، وتؤدي حق شكر هذه المنحة!؟ أحقاً أنت تفعل؟ أم أنك تضيع هذه النعمة في اختلاس النظر إلى ما حرم الله؟ وترهق الألحاظ بما لا ينفع من أعمال؛ فتسهر على برامج هدامة، أو تقرأ مالا طائل منه!؟ حتى أنك لا تذكر متى بكت هاتان العينان! أو لعلك تفعل، أجل لقد بكتا لرؤية مشهد تمثيلي، أحزنك! بكت لقراءة حادثة في قصة، صيغت بحبك الخيال؛ إذاً حذارِ يا أخي؛ ولتنتبه! فأنت هكذا لم تؤدِ شكر نعمة البصر، التي وهبها الله لك، ولم توظفها لما هي أهل له! أترهق عيناك بالسهر فيما لا ينفع؛ لتفوتك بعدها صلاة الفجر، أو تضيع واجباتك تجاه إخوانك ووالديك؟ وتركن إلى الكسل؛ بعلة التعب من السهر!؟ أتبكي عيناك لمشهد وهمي تعلم يقيناً أنه كذلك؛ ولا تبكيان لاستحضار ساعة الموت، ووحشة القبر، وزلة الصراط! بل إن عينيك لا تعتبران، إذا استحضرت هول يوم الحشر! أو قراءة آية عذاب! فأعوذ بالله أخي أن تكون كذلك، وأعيذك به سبحانه، أن تصل إلى هذه الحال؛ فإنما هي قسوة القلب، تورث صاحبها جفوة، في كل ما يوجب عليه، استحضار الخشية والرجاء.
لست أحسن أن أذكر المزيد، فلنستمع إلى هذه الروائع من أقوال الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – في النظر؛
لما كانت العين رائداً والقلب باعثاً وطالباً، وهذه لها لذة الرؤية وهذا له لذة الظفر، كانا في الهوى شريكي عنان. ولما
وقعا في العناء واشتركا في البلاء؛ أقبل كل منهما يلوم صاحبه ويعاتبه؛
فقال [blink]القلب [/blink]للعين: أنت التي سقتني إلى موارد الهلكات، وأوقعتني في الحسرات بمتابعتك اللحظات، ونزّهت طرفك في تلك الرياض، وطلبت الشفاء من الحدق المراض، وخالفت قول أحكم الحاكمين: " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " النظر إلى المرأة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن تركه خوف الله عز وجل؛ أثابه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه "رواه الإمام أحمد.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: " نظر الرجل في محاسن المرأة سهم من سهام إبليس مسموم، فمن أعرض عن ذلك السهم أعقبه الله عبادة تسره" .
فمن الملوم، سوى من رمى صاحبه بالسهم المسموم ؟ أو ما علمت أن ليس شيء أضر، على الإنسان، من العين واللسان ؟ فما عطب أكثر من عطب إلا بهما، وما هلك أكثر من هلك إلا بسببهما، فلله كم من مورد هلكة أورداه، ومصدر رديء عنه أصدراه! فمن أحب أن يحيا سعيداً، أو يعش حميداً؛ فليغض من عنان طرفه، ولسانه ليسلم من الضرر؛ فإنه كامن في فضول الكلام وفضول النظر، وقد صرح الصادق المصدوق بأن العينين تزنيان، وهما له رائدان، وإليه داعيان، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فأمر السائل أن يصرف بصره . فأرشده إلى ما ينفعه ويدفع عنه ضرره ؛ أو ما سمعت قول العقلاء: من سرح ناظره، أتعب خاطره، ومن كثرت لحظاته، دامت حسراته، وضاعت عليه أوقاته، وفاضت عبراته؟
وقال الناظـم:
تـمتعتـّما يـا مُقلتـيّ بنظـرة
وأوردتما قلبـي أمـرّ المـوارد
أعـينيّ كفـّـا عن فـؤادي فإنه
من الظلم سعي اثنين في قتل واحد
قالت [blink]العين[/blink]: ظلمتني أولاً وآخراً، وبؤت بإثمي باطناً وظاهراً، وما أنا إلا رسولك الداعي إليك، ورائدك الدال عليك، فأنت الملك المطاع ونحن الجنود والأتباع . أركبتني في حاجتك خيل البريد ثم أقبلت علي بالتهديد والوعيد!
فلو أمرتني أن أغلق علي بابي، وأرخي علي حجابي، لسمعت وأطعت، ولما رعيت في الحِمى ورتعت، أرسلتني في صيد قد نُصبت لك حبائله وشراكه، واستدارت حولك فخاخه وشباكه. فغدوت أسيراً، بعد أن كنت أميراً!
وأصبحت مملوكاً بعد أن كنت ملكاً!
هذا وقد حكم لي عليك سيد الأنام وأعدل الحكام عليه الصلاة والسلام؛ حيث يقول: " إنّ في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت؛ فسد لها سائر الجسد ألا وهو القلب ".
وقال أبو هريرة رضي الله عنه : القلب ملك والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك؛ طابت جنود،ه وإذا خبث؛ خبثت جنوده .
ولو أنعمت النظر لعلمت أنّ فساد رعيتك بفسادك وصلاحها ورشدها برشادك، ولكنك هلكت و أهلكت رعيتك، وحملت على العين الضعيفة!
وإنما خطيئتك، وأصل بليتك، أنه خلا منك حب الله، وحب ذكره وكلامه، وأسمائه وصفاته، و أقبلت على غيره وأعرضت عنه! وتعوّضت بحب من سواه والرغبة فيه عنه. هذا وقد سمعت ما قصّ عليك، من إنكاره سبحانه على بني إسرائيل استبدالهم طعاما بطعام أدنى منه، فذمهم على ذلك ونعاه عليهم؛ وقال:" أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير " فكيف بمن استبدل بمحبة خالقه، وفاطره ووليه ومالك أمره، الذي لا صلاح له ولا فلاح، ولا نعيم ولا سرور، وفرحة ونجاة، إلا بأن يوحده في الحب ويكون أحب إليه ممن سواه فانظر بالله بمن استبدلت، وبمحبة من تعوضت . رضيت لنفسك بالحبس في الحش، وقلوب مُحبيه- سبحانه - تجول حول العرش!
فلو أقبلت عليه وأعرضت عمن سواه لرأيت؛ العجائب، ولأمنت من المتالف والمعاطب، أو ما علمت أنه خص بالفوز والنعيم من أتاه بقلب سليم. أي سليم ممن سواه، ليس فيه غير حبه واتباع رضاه.
قالت: وبين ذنبي وذنبك عند الناس، كما بين عماي وعماك في القياس.
وقد قال من بيده أزمة الأمور: " فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ".
فلما سمعت [blink]الكبد [/blink]تحاورهما الكلام، وتناولهما الخصام قالت: أنتما على هلاكي تساعدتما، وعلى قتلي تعاونتما، ثم قالت: أنا أتولى الحكم بينكما، أنتما في البلية شريكا عنان، كما أنكما في اللذة والمسرة فرسا رهان، فالعين تلتذ، والقلب يتمنى ويشتهي، وإن لم تدرككما عناية مقلب القلوب والأبصار، وإلا فما لكِ من قرة، ولا للقلب من قرار!
انتهى كلامه رحمه الله، وجعل الجنة مثواه، وجزاه عن المسلمين خيراً، لما خطت يمناه.
لست أخصك أخي وحدك بهذه الكلمات، بل أخصكِ أنتِ أيضاً أختي، فلا تحسب أو تحسبي، أن أمر غض البصر، مخصوص به الرجل دون المرأة، بل هما سواء في الأمر، وإن كنت أرى أن المرأة أدعى أن تكون كذلك، لغلبة فطرة الحياء عليها، فإن ذهبت فلا حول ولا قوة إلا بالله! " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن، ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن، أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن ".
فاحرصا أخي وأختي؛ على إطاعة أمر الله في غض البصر، وأيقنا أن في ذاك الأمر خيركما، وصلاح أمركما، فلله ما أروع راحة النفس، ولله ما أعظم حلاوة طاعة الرحمن!
متعنا الله تعالى وإياكم، بنعمة السمع والبصر والفؤاد، وأعاننا على شكرها، وأورثنا الهداية والسداد.