الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ، أما بعد
يقول ابن الجوزي رحمه الله :
(( نازعتني نفسي إلى مكروه في الشرع وجعلت تنصب لي التأويلات وتدفع الكراهة ، وكانت تأويلاتها فاسدة ، فلجأت إلى الله تعالى في دفع ذلك عن قلبي وأقبلت على القراءة وكان درسي قد بلغ إلى قوله تعالى ( قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي ) يوسف : 23 ، انتهيت لها وكأني خوطبت بها .
فأفقت من هذه السكرة فقلت : يا نفس أتفهمين ؟ هذا حُرّ بِيع ظلما فراعى حق من أحسن إليه ( يعني يوسف عليه السلام ) سمى مالكه ربه فقال : إنه ربي أحسن مثواي .
فكيف بك وأنت عبد على الحقيقة لمولى مازال يحسن إليك من ساعة وجودك وهداك أقوم الطريق ونجاك من كل كيد ، وسهل لك مدارك العلوم حتى نلت في قصير الزمان ما لم ينله غيرك في طويله ، وساق رزقك بلا كلفة تكلف رغدا غير نذر ، فوالله ما أدري أي نعمة أشرح لك ، ثم خاطبت نفسي : كم كائد نصب لك المكايد فوقاك ؟ كم عدو حط منك بالذم فرقّاك ؟ كم أعطش من شراب الأماني خلقا وسقاك ؟ كم أمات من لم يبلغ بعض مرادك وأبقاك ؟ فأنت يا نفسي تصبحين وتمسين سليمة البدن محروسة الدين في تزيد من العلم وبلوغ الأمل ، ولو ذهبت أعد من هذه النعم لم تنقطع الكتابة ، فكيف يحسن بك التعرض لما يكرهه بعد ذلك كله ؟ (( معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون )) يوسف : 23 .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم