الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، أما بعد
إن الله عز وجل يحب أن يخذل الباطل بقوة أنصار الحق وتضحياتهم وأن ينصر الحق بما يسوقه أهله بين يديه من مغارم الدم والمال . قال تعالى (( لو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض )) محمد : 4 وعلى هذا القانون دارت المعركة من الأزل بين الحق والباطل ـ فالجهد البشري المبذول من كلا الفريقين هو الذي يقرر المصير ، ويحدد النهاية ، ولا يحب القدر أن يتدخل في أدوار المعركة لمصلحة أحد الخصمين قبل أن يستنفد الكفاح المرّ من طرفيه المتصارعين آخر ما في طاقاتهما من جهد ، وآخر ما في جعبتهما من صبر وثبات ، والمعجزات التي أيدت الأنبياء في دعواتهم خضعت هي نفسها لهذا القانون ، فالعصمة لا تنافي المحنة ، وضمان السماء لا يمنع ابتلاء الأرض ، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يواجه أخطار الهجرة ، وينزل على قوانين الأسباب والمسببات عندما كان يتوارى نهارا ويسير ليلا ، وعندما كان يمحو من خلفه الآثار التي تدل على وجهته ، ذلك كله في الوقت الذي أيده الله بجنود لم تروها ، وبث في طريقه من الخوارق ما نعرف ومالا نعرف .
ومن غفلة المؤمنين أن يتناسوا هذه الحقيقة ، أن ينتظروا من قوانين الوجود أن تحابيهم في كفاح ، أو أن تتملقهم لأنهم أصحاب صلاة وصيام ، فإذا احتدمت المعركة بين الحق والباطل حتى بلغت ذروتها ، وقذف كل فريق بآخر ما لديه ليكسبها ، فهناك ساعة حرجة ، يبلغ فيها الباطل آخر قوته ، ويبلغ الحق فيها أقصى محنته ، والثبات في هذه الساعة الشديدة هو نقطة التحول ، والامتحان الحاسم لإيمان المؤمنين يبدأ عندها ، فإذا ثبت تحول كل شيء عندها لمصلحته ، وهنا يبدأ الحق طريقه صاعدا ، ويبدأ الكفر طريقه نازلا .
وانظر كيف كان المهاجران قاب قوسين أو أدنى من الموت في الغار ، وكيف كان إسماعيل قاب قوسين أو أدنى من الذبح ، وكيف وصل الابتلاء بموسى وقومه ، لما طرده فرعون وجنده (( فأتبعوهم مشرقين فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين )) الشعراء : 60 – 62
ألا فليؤد المسلمون واجبهم ويواجهوا الأخطار والمخاوف ، أما قبل ذلك فلا ؟
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم