تبدو مدينة «لوبك» المطلة على بحر البلطيق في شمال المانيا، واحدة من التحف المعمارية الفريدة، فكل شيء فيها ينطق بلغة الماضي السحيق، حتى غدت قبلة للسياح من كل حدب وصوب، فهذه المدنية الساحرة بعماراتها الغوطية القديمة وطبيعتها الجذابة ونظافتها المتميزة، ما زالت تشكل احد ابرز المعالم الحضارية في المانيا الاتحادية.
ولانها تضم العديد من المباني الغوطية القديمة المبنية بالطابوق الاحمر اضافة الى القلاع التاريخية والكنائس والكاتدرائيات فريدة الطراز الفني والمتنزهات الفارهة والاسواق التي يعود تاريخها الى العصور الوسطى، والبيوت المتراصة المطلة على ازقة ضيقة مبنية بالحجارة، فقد اصبحت منذ عشرين عاماً ضمن سجل الرعاية الدولية التي تشرف عليها اليونيسكو باعتبارها جزءاً من الحضارة الانسانية القديمة والفريدة في معالمها.
طرازها المعماري وطبيعتها الخلابة جعلاها قبلة للسياح من الداخل والخارج، حيث يزور هذه المدينة سنوياً آلاف الزوار، من المتعطشين لانواع الفن الاصيل الذي تجده في كل زاوية من زوايا المدينة، ولكن ايضاً للتمتع بمرافق السياحة المختلفة، اضافة الى التسوق، حيث تمتلك هذه المدينة الجاثمة على حافة البحر ميناء تجارياً قديماً للغاية، كان ولا يزال بمنزلة البوابة الدائمة التي تفتح احضانها لكل بضائع العالم، ففيها يجد السائح او الزائر ما طاب له من حاجيات وبضائع قديمة او حديثة على حد سواء.
المدينة تتبع الى ولاية «شيلزفغ - هولشتين»، التي يحدها من الغرب بحر الشمال ومن الشرق بحر البلطيق ومن الشمال الدانمرك ويخترقها نهر اللاب الذي يتجول في اراضيها قبل ان يصب في محطته الاخيرة في بحر البلطيق.
بناياتها ذات الطابوق الاحمر ما زالت تحتفظ بنكهة التاريخ القديم بمظهرها الجذاب الذي قاوم تقلبات الزمن وتبدلات المناخ، لكنها ايضاً تحكي قصصا مرعبة عن حروب جرت في هذه المنطقة، وخاصة من الدانمركيين الذين كانوا لا يخفون اطماعهم للاستحواذ عليها، حتى نجحوا اخيرا في القرن الثامن عشر، فاخضعوها لسيطرتهم التي دامت حتى عام 1920، يومها جرى استفتاء عام وعادت الى احضان المانيا من جديد.
اهم فترات «لوبك» التاريخية تبدأ في عام 1226، حين منحها القصير فرديخ الثاني استقلالاً ذاتياً، فاصبحت اول مدينة من مدن ساحل البلطيق تدير شؤونها الادارية المختلفة بنفسها.
ومنذ ذلك الحين تطورت واصبحت مركزاً تجارياً مهماً، حيث عقدت اتفاقات مع بعض المدن التجارية الالمانية لتشكيل اتحاد تجاري يجمع كل مدن البلطيق وبحر الشمال، واختيرت مركزاً لهذا الاتحاد.
كان ذلك في القرن الثالث عشر، ولم يمض على هذه الانتقاله قرناً واحداً، حتى شمل هذا الاتحاد نحو 200 مدينة.
طراز العمارة الغوطية
تطور الفن الغوطي في مدينة «لوبك» بصورة فعالة بتأثير الطراز المعماري الفرنسي، الذي شمل العديد من المعالم البنائية مثل الابراج والكناس والكاتدرائيات والقصور والاديرة والنافورات وقبب السبيل وغيرها.
وبرز في هذه العمارة الطابوق الاحمر والمعروف بـ«الطابوق الغوطي» الذي كان يجلبه منتسبو دائرة الرهبان من أحد الوديان في «لومبارديا».
ولأن بقية أنواع الحجر الألماني في تلك المنطقة لا تتسم بالجودة المطلوبة، لذلك فإن الحصول على الحجر الأحمر كان يمثل جهدا متميزاً بالنسبة لأهالي المدينة.
العمارة الغوطية في «لوبك» لم تقتصر على الطابوق الأحمر، وانما تضمنت ايضا السيراميك والنقوش الحجرية الفنية والألوان المميزة التي أضفت على هذه المباني جمالا متفرداً.
وارقى نموذج لهذا البناء الغوطي يتمثل بكنيسة «لوبك البحرية» التي تتكون من ثلاث بنايات ضخمة تشبه احواض السفن، وتقف متراصة ومتقاطعة مع بعضها بعضا، وكل واحدة منها تضم برجين توأمين.
مدينة الأبراج السبعة
أهالي المدينة، كانوا يهتمون بمدينتهم اهتماما بالغا، وقد ازدهرت جميع المعالم الحضارية والتراثية فيها على مدى قرون طويلة من الزمن، ففي عام 1230 انتهى بناء بيت المدينة الكبير الذي يبلغ طوله نحو 130مترا، بعد ان وضع حجر أساسه بمائة عام قبل هذا التاريخ، اي في زمن حكم القيصر ينيدشيخ ليف.
وفي بداية القرن الثالث عشر انجز بناء مقر بلدية المدينة على الطراز الغوطي ايضا، وتعتبر هذه البناية واحدة من أجمل وأقدم البنايات في المانيا.
بعد ذلك قام معماريو المدينة ببناء كنيسة «السيدة مريم» الذهبية بجانب بناية بلدية المدينة، وعمارة هذه الكنيسة من العمارات المتميزة بأناقتها وفنها الرفيع.
في مركز المدينة، انتشرت الكثير من متاجر البيوت القديمة، فهذه البيوت كانت تستخدم للسكن وفي الوقت نفسه للتجارة ايضا، كما انتشرت اضافة إلى ذلك الكنائس الكثيرة مثل كنيسة «القديس بولس» وكنيسة «القديسة اجيديا» وكنيسة «القديس يعقوب» وغيرها. ويطلق على مدينة «لوبيك» اسم «مدينة الأبراج السبعة» كناية عن وجود هذا العدد من الأبراج المشهورة فيها، التي تشكل معلما حضاريا جذابا.
أما بوابة «هولشتين» العملاقة التي بنيت في منتصف القرن الخامس عشر، فقد كانت البوابة الرئيسية الوحيدة التي تقود الى المدينة، ولأنها إحدى أجزاء قلاع العصر الوسيط، فقد احتلت مكانا بعيدا في مقدمة المدينة.
وبنيت بالى جنب البوابة فيما بعد ابان القرنين السادس عشر والثامن عشر مجموعة من المخازن التي خصصت لخزن الملح، الذي كان يأتي من «لونبرغ» ومن ثم يسوق من هذه المخازن الى جميع أقطار شمال أوروبا.
ملكة التجارة
الجزء الجنوبي من المدينة يضم بيوتا قديمة مبنية من الحجارة الحمراء وملتصقة بعضها ببعض ومرتمية في أحضان الأزقة الضيقة التي تطفح بعبق الزمن السحيق، وهذا الجزء يعتبر من أقدم الأجزاء في المدينة.
يتجول السائح بين هذه المعالم المذهلة والجذابة للغاية، ويجد نفسه وكأنه يخترق التاريخ راجعا الى الوراء قرونا عديدة من الزمن، وهو يتأمل تلك الملامح الرائعة التي تلامس احاسيسه فتلقى اصداء ممتعة للغاية.
احياء متجاورة بعضها لبعض، تنتشر فيها اضافة الى تلك البيوت القديمة المزركشة بالوان طافحة بالحيوية تتوزع على شرفاتها اشرطة الزهور البيتية الجميلة ودكاكين الصاغة والنساجين والسراجين، مازالت تحتل اماكنها القديمة، لكنها تتنوع بتنوع منتجاتها وبضائعها.
لقد عاش هنا البحارة وصناع السفن والزوارق وتمركزوا في الجزء الشمالي من المدينة في منطقة «كوبيرغ» حول كنيسة «القديس يعقوب»، وتركوا وراءهم نكهة الماضي وآثار السلف.
كان ميناء «لوبك» في قديم الزمان يستقبل مختلف انواع السفن المحملة بالبضائع القادمة من الشرق، من بلاد التوابل والزنجبيل والبهار عبر ايطاليا والنرويج.
لكن دور المدينة التجاري قد ضعف فيما بعد في القرن السادس عشر، حينما بدأت تنافسها مدينة اخرى هي هامبورغ، ولم يبق من مدن الاتحاد ضمن المعاهدة التجارية سوى تسع مدن عام 1669.
لكن المدينة اعادت مجدها السابق، حينما تحولت الى واحدة من ابرز مدن السياحة الالمانية في الوقت الراهن، فهي غنية بالآثار التاريخية الجذابة، والتراث الاصيل والطبيعة الخلابة والعمارة المتميزة، وايضا الشواطئ والسواحل المائية النظيفة.
وابرز شوارعها هو شارع Mengstrasse الذي يخترق البيوت القوطية القديمة، ويبدو مزهوا بتلك الملامح الجذابة للعمارة القديمة، واحد هذه البيوت يحمل الرقم 48، وقد بني في القرن السادس عشر، ويحتوي على رواق رائع من الطراز الباروكي، حيث بني بعد مائة عام من بناء البيت.
وفي البيت رقم 4 عاش اجداد الكتاب الشهيرين من عائلة مان، واليوم تحول هذا البيت الى متحف لهذه العائلة، التي يتحدر منها اثنان من اشهر الكتاب الالمان وهما توماس وهينرخ.
في بداية القرن التاسع عشر قادت الصدفة الى اكتشاف وصفة «كعكة الزنجبيل» وحسب هذه الوصفة، قام معدو السكريات المحليون بصناعة الكعكة من الفستق المستورد من مدينة البندقية في ايطاليا والسكر وماء الورد، وبعض المواد التي لم يعلن عنها الى الآن. وهذا الاكتشاف الاصيل للوصفة استكمل عام 1806من قبل صاحب محل للسكريات المشهورة تحت اسم Niederegger.
هذا المحل لا يزال قائماً، وكعكة الزنجبيل هي الاخرى لا زالت مطلوبة من قبل السواح واهالي المدينة على حد سواء.
