المدينة الخضراء.. سويسرا الخليج.. جبال أوروبا العربية، كثيرة هي الألقاب التي أطلقت على منطقة صلالة العمانية، التي تتمتع بطقس رائع وجو خريفي جميل يختلف عن باقي مدن الخليج، ناهيك عن الجبال الخضراء والعيون المائية التي تنهمر فيها الشلالات، والأهم من ذلك ابتسامة وطيبة أهلها التي تقابلك حينما تصل، فرحلتنا فيها أكبر من أن تحتويها بضع صفحات، سنمضي اليوم في ثنايا هذه المدينة الجميلة لنغوص في سحرها. على امتداد بلدان الخليج نرى صلالة الواقعة في جنوب عمان، والتي تبتعد عن العاصمة مسقط حوالي 900 كيلو متر، وبدءا من أواخر شهر يونيو وحتى أواخر شهر أغسطس، تعرف صلالة حركة سياحية كبيرة لزيارتها والاستمتاع بفصل الخريف فيها، حيث يفد إليها الناس من بقية ولايات السلطنة ومن الدول الخليجية والعربية، ويرفع مهرجانها السنوي شعار «ملتقى الأسرة» الذي يشهد حركة فنية وثقافية وتجارية وسياحية تجعلها وجهة مفضلة للسائح الخليجي والعائلات والشباب.
النشرات والخرائط... ومن الجميل وجود النشرات والخرائط التعريفية في عمان وتوزيعها من خلال المنافذ البرية والجوية، ففي نقطة الدخول إلى صلالة تجد إفادة تامة تغنيك عن السؤال، مرصودة بها أغلب المناطق السياحية ومرفق معها الخدمات وأرقام وخرائط للمنطقة وتراثها، وبمجرد وصولك إلى صلالة تستقبلك نسمات الهواء البارد لتنسيك حرارة الصيف المرتفعة. حيث تكتسي السهول والجبال اللون الأخضر، وتنخفض درجة الحرارة إلى أقل من عشرين درجة مئوية، وتقل أكثر على الجبال، ويستمتع السائح بالضباب الذي يلف المكان والرذاذ المتساقط ليلا ونهارا، حيث يرسم اللون الأخضر على الجبال لوحة طبيعية مبهرة تبعث في النفس بهجة وتنثر في الأحاسيس طربا، وتمنح القلب دفئا وطمأنينة بعيدا عن صخب الحياة، لذا فإن موسم الخريف يعتبر من أفضل المواسم السياحية في المنطقة وأكثرها ملاءمة لقضاء أروع العطلات المليئة بالذكريات الطيبة التي ستظل راسخة في الذاكرة.
العيون المائية... وتشتهر صلالة بالعيون المائية خاصة في منطقة «دربات» التي تنهمر فيها الشلالات في حالة وجود طقس خريفي قوي تسبقه عادة أمطار تجعل من المكان بقعة خضراء، ومن أهم العيون «حمراء وصحنون» حيث النافورات الطبيعية والأصوات الهادرة نتيجة التجويف الصخري الواسع داخل الجبال المحاذية لبحر العرب، وينتج عن الموج العنيف حركة سحب للهواء تعطيها التجاويف في السقف الصخري دهشة لا يمكن للسائح أن ينساها. كما تتمته صلاله بأخوار ومحميات طبيعة تستقبل الطيور الهاربة من حر العالم وبرده، المتجهة لتمضية بعض الوقت في أمان، تأتي طيور «الفلامينجو، وأبو منجل، والبلشون الأبيض ومالك الحزين» وكأنه لينسى بعض حزنه في بيئة تعطية الأمان والإطمئنان، فيما تجتذب مناطق «الخيران» في محافظة ظفار أكثر من 180 نوعا من الطيور.
قبر سيدنا أيوب... «إيتين»، هو اسم المكان التالي الذي توجهنا إليه، ربما يكون الاسم مميزا وغريبا، ولكن المكان أغرب من الاسم، فهو جبل أخضر مرتفع تنمو فيه الأشجار والزهور وترعى فيه الماشية والجمال. الضباب يزداد كلما ارتفعنا مع الطريق حتى انخفض مدى الرؤية الأفقية. وبعد رحلة طويلة توقفت بنا السيارة أمام مسجد في قمة الجبل، مسجد صغير بسيط ولكن تكمن اهميته في أنه مجاور لقبر النبي أيوب عليه السلام، طبقا للروايات التي تناقلتها الأجيال جيلا بعد جيل، فهذا هو قبر النبي أيوب - رغم وجود قبر أخر للنبي أيوب في الأردن-، ولكن أهل المنطقة يؤكدون أن هذا هو القبر الحقيقي وان الله سبحانة وتعالى رزق أيوب عليه السلام بهذا المكان وهذه الثروة الطبيعية مكافأة على صبره المعروف تاريخيا، قرأنا الفاتحة وتركنا المكان لمزيد من الزوار الذين توافدوا على المكان لزيارة القبر.
كهف «المارنيف»
كهف «المارنيف»، منطقة جبلية وشاطئ جميل على امتداد شاطئ المغسيل، يتميز بوجود نوافير طبيعية، بحيث تضرب الأمواج العالية أطراف الحواف الصخرية، لتدخل فتحات جانبها ومن ثم تخرج من فتحات علوية صغيرة ومتوسطة على شكل نوافير، وهذه النوافير يكون ارتفاعها حسب طول الموج البحري وقصره، في هذا المكان تحديدا لن تستطيع أن تغمض عينيك لحظة، فروعته وجماله يحولان دون ذلك، وقتها تتمنى أن يطول الوقت ولا تنتهي هذه الرحلة المثيرة.
وعندما يحين وقت الغداء، هناك العديد من المطاعم الشعبية في المدينة التي تقدم الأكلات التقليدية، وهناك أيضا مطاعم المأكولات السريعة، ولكن الأجمل من هذا كله هو الشواء وسط الجبال الخضراء.
أرض اللبان
كما تشكل الأشجار في صلالة دعامة كبيرة، خاصة «القرم» التي تمنح المنطقة على الدوام جمالا جاذبا للنظر، بحيث لا تكون صلالة نقطة جذب في موسم واحد فقط، فتم غرس شتلات من أشجار القرم وبأعداد كبيرة، كذلك تعرف صلالة بشجر «المغر» ومن يزور السوق الشعبي يجد النساء الظفاريات يعرضن كميات كبيرة من «اللبان»، إلى جانب العطور والبخور وكل ما تفوح منه رائحة طيبة، فاللبان يستخرج من أشجار «المغر» التي تنقسم إلى نوعين ذكر وأنثى، وكما هو الحال مع الكائنات الأخرى الأنثى أكثر إنتاجا إذا توفرت الظروف المناخية الملائمة.
ومن الجماليات التي أضافتها صلاله إلى مفكرتها السياحية متحف «أرض اللبان» الواقع في منطقة البيلد الأثرية، وعبر ممرات مائية ومشى بين أرجاء المكان الأثري، يمكن التعرف على تاريخ يمتد قرونا، فقد دلت المكتشفات في منطقة البليد على وجود حضارة «المنجويين» التي قامت ما بين القرنين الثاني عشر والسادس عشر الميلاديين.
وتذكر كتب التاريخ أن مؤسس هذه الدولة أحمد بن محمد المنجوي ونقل المنجويون مقر ظفار القديمة من مرباط إلى البيلد، والأثار المكتشفة دلت على وجود نشاط تجاري واسع للتصدير والاستيراد كاللبان والخيول الأصيلة والتوابل والمنتجات الزراعية الأخرى التي تشتهر بها صلالة.
وذكرها عدد المؤرخين مثل ماركو بولوو، وزارها الرحالة ابن بطوطة ويعود تاريخ البليد الواقعة إلى شرق مدينة صلالة إلى عصر ما قبل الإسلام، وبانبثاق النور المحمدي فإن المدينة عرفت ازدهارا معماريا تجلى في مسجدها الكبير، وزارها ابن بطوطة في القرن السابع للهجرة وعاد إليها بعد عشرين عاما ليصفها بأنها مدينة تكثر فيها المساجد وتصنع فيها أجود أنواع الحرير والملابس القطنية والكتان وتصدر أجود أنواع الخيول العربية إلى الهند، ومثلت البليد مركزا تجاريا مهما خلال القرن الرابع عشر للميلاد لتكون نقطة الوصل بين الهند وسواحل الشرق الإفريقي