المدن القديمة الواقعة في شمال بولندا تشكل مقطعا سياحيا جذابا يضم العديد من المناطق الطبيعية الساحرة، وقد بدأت هذه المدن، ومنذ فترة طويلة، باجتذاب آلاف الزائرين من مختلف انحاء العالم، وهي فضلا عما تتميز به من كثرة المراكز الطبيعية الرائعة، فانها ايضا تتميز بحضور ثقافي وتراثي متجذر، وفريد من نوعه، وربما يتفوق بعمقه عن سواه في المدن البولندية الاخرى.
ومن حيث المعالم الطبيعية، فان البحيرات والاحواض المنتشرة في هذه المناطق، هي الشاهد الاخير المتبقي من مرحلة اجتياح الجليد القارة الأوروبية قبل ما يزيد على الـ20 ألف عام خلت.
وعلى مشارف هذه البحيرات تتناثر القرى الحجرية الرائعة التي ترتبط بشبكة واسعة من الطرق والممرات الفرعية المؤدية ايضا الى المدن الكبرى.
وبعض هذه المدن تقع حاليا تحت حماية «اليونسكو»، باعتبارها جزءا حيويا من التراث والثقافة الانسانية العالمية.
ويخبرنا التاريخ بعض الشيء عن ماضي هذه المدن القديمة، ويبدأ من انتقال القبائل الوثنية البولندية ذات الاصول الالمانية «البالطية»، وكذلك القبائل الاخرى من الأقوام القديمة، المعروفة بــ«البروسيين» الى هذه المنطقة منذ ان بدأ الحراك الاستيطاني في القرن العاشر، عندما بدأت مواسم الهجرة الجماعية تحط رحالها اليها.
وقد نشبت حروب عديدة بين هذه الاقوام المهاجرة والاقوام البولندية الاخرى التي حاولت النزوح الى المنطقة، وخاصة «السلافينيين»، الذين اختاروا فيما بعد مناطق الوسط والجنوب للاستقرار النهائي.
وقد اعتنقت هذه القبائل فيما بعد الديانة المسيحية، وأصبحت جزءا من ابرز القبائل الاخرى التي شاركت في الحروب الصليبية اللاحقة، وقد اسس رهبانها تجمعا سموه «الفرسان المسيحيون»، الذين شيدوا في هذه المنطقة اول دولة خاصة بهم.
هذه المستعمرة الالمانية هي الأولى التي وفرت الفرصة لبقية المدن لممارسة التجارة الحرة والواسعة في المنطقة، حيث وضعت لنفسها قوانين خاصة، استمر العمل بها حتى القرن السابع عشر.
كان التأثير الالماني في المنطقة قد شمل كل مناحي الحياة العامة، وكذلك اسلوب العمارة والبناء، وبفعل استيطان الالمان في هذه المدن.
مالبورك
مدينة مالبورك هي احدى هذه المدن الواقعة شمال بولندا، التي تعتبر من بين اشهر المدن السياحية التي تتمتع بجمال طبيعي نافذ، وقد اسست المدينة من قبل جماعة «الفرسان الالمان»، اضافة الى القلعة الشهيرة التي هي عبارة عن بناء ضخم يضم ثلاثة مواقع او تفاصيل عمرانية كبيرة.
وتاريخ بناء المدينة يعود الى عام 1274، وقد رافق هذا البناء تطوير متلازم لقلعة المدينة التي اتخذت عام 1309 مقرا لادارة شؤون المدينة.
وكان مدينة مالبورك تسمى باللغة الالمانية مارلبورغ، ومنذ عام 1997 تخضع مارلبورغ لحماية «اليونسكو» بعد ان ادرجت في سجل التراث العالمي.
وعلى مقربة من المدينة يجري نهر توكات الذي يربط بين مالبورك ببحر البلطيق، وكذلك الطريق العريض الذي جعل المدينة واحدة من المراكز التجارية المهمة في شمال اوروبا، بل وعضوا مهما في اتحاد المدن الالمانية.
وابتداء من القرن الخامس عشر، ومع المتغيرات الطبوغرافية التي شهدتها المدن البولندية آنذاك، اصبح الالمان من سكان هذه المدن مطاردين من قبل البولنديين، لكن الأمر قد حسم بعد ثلاثة قرون لاحقة، حينما قسمت بولندا، حيث وقعت هذه المنطقة بحوزة بروسيا منذ عام 1871، وبذلك اصبحت جزءا من اراضي الامبراطورية الالمانية «البروسية». وهذا الوضع، استمر حتى الحرب العالمية الاولى، حيث اعيدت بعض اجزاء المنطقة لبولندا، لكن معظم هذه المناطق قد دمرت إبان الحرب العالمية الثانية، من قبل الطيران النازي. ومن بين المعالم التي تعرضت الى التدمير، قلعة «مالبورك» وخاصة كاتدرائية القلعة، التي تعتبر احدى ابرز التحف المعمارية في المدينة. وقد أعادت الحكومة البولندية، بعد انتهاء الحرب ترميمها، كما هو الحال بالنسبة للأجزاء الاخرى المدمرة في تلك المدن، واصبحت من جديد معلما جذابا من معالم السياحة العالمية.
فرومبورغ
مدينة «فرومبورغ» تعتبر من المدن الاثرية القديمة، التي تمتلك اهمية تاريخية متميزة في خليج «فيسلسكي». وقد بنيت في منطقة المرتفعات، وتكان عدد نفوسها القليل لا يتناسب ومكانتها الكبيرة في تاريخ بولندا، وخاصة في ما يتعلق بتأثيرها الديني، لأنها تضم كاتدرائية «العذراء مريم» التي شيدت عام 1277، اي قبل بناء المدينة الذي يعود تاريخ بنائها الى عام 1310، ومنذ ذلك الحين اصبحت المدينة موضع اهتمام المؤمنين المسيحيين. ولكن أبرز الملامح التراثية والتاريخية الاخرى، هو متحف العالم ولكن ابرز الملامح التراثية والتاريخية الاخرى، هو متحف العالم الفلكي «ميكولاش كوبرنيكوس» الذي ولد في المدينة، وكان احد المؤتمنين على كاتدرائية «العذراء مريم».
اصبحت مدينة «فرومبورغ» جزءا من اراضي «بروسيا» الالمانية بعد تقسيم بولندا عام 1772، لكنها أعيدت من جديد الى السيادة البولندية عام 1945، طبقا لمعاهدة تسوية الاراضي المتنازع عليها، وقد خير أهاليها بين البقاء أو الانتقال الى المانيا، لكن الاكثرية المطلقة من سكانها اختاروا النزوح الى اراضي ألمانيا، في حين ملأ مكانهم البولنديون الذين نزحوا من وسط وجنوب بولندا. الآن، تتميز مدينة «فرومبورغ» بحضور سياحي كبير، وبخاصة من الجانب الألماني ـ لقربها من الاراضي الالمانية، ولتمتعها بطبيعة ساحرة ولرخص الحياة الاقتصادية فيها، وما الى ذلك من مميزات اخرى كالمعالم الأثرية الرائعة او التراث الفني والثقافي المدهش.
سوتيا ليبكا
هي المدينة التي يعتبرها البولنديون «المدينة المقدسة»، لذلك يؤمها الحجاج من كل اصقاع بولندا أو ربما من الخارج ايضا، والسبب طبعا يرتبط بوجود «سهل الغابات المقدس» القريب من مدينة «ريزل»، حيث يقال عنه في المدونات الاسطورية أنه شهد قيام «السيدة العذراء»، ومدينة «سوتيا ليبكا» كانت تسمى باللغة الالمانية «هيليكينلندا».
تعتبر مدينة «سوتيا ليبكا» مركزا تجاريا وسياحيا جذابا للغاية، حيث تتميز معالمها التاريخية الرائعة باهتمام السياح والزوار من كل انحاء العالم. فالطبيعة هنا لافتة للنظر، وخاصة انتشار الغابات واشجار الفاكهة والمياه والمتنزهات والملاعب الارضية والمائية، كل ذلك يجعل المدينة من بين أهم المدن السياحية في بولندا.
ريزل
هذه المدينة من المدن الصغيرة التي لم تسلم من التدمير ابان الحرب العالمية الثانية، لكنها استعادت عافيتها من جديد، واصبحت واحدة من بين أهم المدن السياحية في المنطقة، لأنها تتميز بأزقتها الضيقة والجميلة التي تحمل مسحة الماضي العريق والتراث الفني الذي حافظ على نكهته وعبقه المتوارث.
فبيوتها الشاهدة على عمق تاريخها السابق، هي قطع فنية متميزة لأنها بنيت من الخشب والجص وبأشكال جميلة للغاية، أما مرافق المدينة الاخرى، فهي ايضا تتحدث عن نفسها وعن عمارتها الجذابة المبنية على الطراز الغوطي.
وكانت مدينة «ريزل» تسمى في اللغة الالمانية Robel، وقد بنتها القبائل الوثنية البروسية القديمة، واحتلها «الفرسان الالمان» عام 1241.
ومن أبرز مرافقها التاريخية «القصر البابوي»، ذو الجناحين، والذي بني من الطابوق الاحمر في القرن الرابع، وايضا بأسلوب الفن الغوطي الرشيق، وهو الآن يضم «غاليري الفن الحديث».
سكانزن اولزتينك
وتتميز هذه المدينة بطابعها المعماري الشعبي، وتعتبر من النماذج الفنية النادرة والجذابة، وميزة العمارة فيها، انها مبنية من الخشب والجص، ولكن بطريقة جمالية رائعة، ولتفردها في هذا الصنف من العمارة، اسس في المدينة عام 1938 متحف جامع لعينات وفنون البناء الشعبي وزخارفه المميزة.
بنيت المدينة عام 1351 من قبل «الفرسان الألمان»، وهي التي الآن تحتض واحدة من أشهر القلاع الاثرية الرائعة وهي قلعة «هوهنستن».
قطعت مدن الشمال البولندي حتى الآن شوطا بعيدا في مضمار صناعة السياحة، وهي ربما تتميز عن غيرها من مراكز السياحة في العالم، بنماذجها الخاصة التي تعتمد على مقومات الطبيعة الساحرة والتراث التاريخي المتميز، وكذلك رخص الاقامة في ربوعها.
وقد يكون من أهم العوامل التي تشجع انتعاش السياحة في هذه المدن بساطة الأهالي وتوافر الخدمة الجيدة، وايضا قلة المصاريف اثناء فترة الزيارة، لأن فنادق هذه المدن، وكذلك السلع الاستهلاكية والطعام، كلها ربما تقل الى حد النصف، فيما اذا اختار السائح أو الزائر الذهاب الى مدن أوروبية أخرى.
