عُد .. عُد يا طه.. لا أريد ثوباً مطرزاً.. ولا أريد شالاً حريرياً.. لا أريد حكايا.. أُصمت.. لكن عد.. عد صامتاً.. عد حزيناً.. عد منكسراً.. كيفما كنتَ.. عُد ..أُريدُكَ.. لأني لم أعد قادرة على الانتظار أكثر.. الانتظار .. شئٌ باردٌ لا قدرةَ لنا على إدمانه .. الانتظار .. سيفٌ قاسٍ.. لطالما اقترب من الرقبة، ولا مسها نصلُه، ثم يبتعد ليعود ثانية.. ملامساً ذلك الألم الممض..ها إنا أختك الوحيدة.. أناديك بكل جوارحي عد يا طه إنني لا املك غير صور تركتها لي ورحلت..
سأضم صورك إلى صورك الأخرى.. صورك القديمة والجديدة، صورك الكثيرة.. كثيرة هي وقليل أنت.. بل أنت هواء.. ها هي ذي صورك يا أخي.. كثيرة.. كثيرة.. كثيرة.. لطالما نظرت فيها لعل روحك مختبئة في إحداها.. كل الصور في البيت إليك لكن أين أنت؟ أ تُرى؟..هل ستعوضني عنك صوره كهذه؟..لا أريدها.. أريدك أنت.. لا أريد الصور الاريد الصور أريدك أنت..
أريدك أنت.. عدُ يا طه ...فما بي طاقة للانتظار.. أتعلم كيف انقضت سنتي الأولى؟ بعد غيابك..؟ أتسمعني: ليس لي غيرك ..صورك أنت كل ما أراه.. أُصْبِحُ بها وأُمْسي بها ... أتعلم يا طه.. منذ اليوم الذي اخذك الوطن مني وآنا كل يوم اجلس خلف النافذة.. انظر عبر النافذة.. اشعر ان القدر اخذ خطاك.. لكنه سيدفعك لي ذات يوم حتى ولو حلما.. سأنتظرك... منذ ذلك اليوم وأنا انتظرك.. انتظرتُ يوماً .. يومان.. ثلاثة.. أربعة.. أربعون... انتظرت .. مرت السنة الأولى ولم تجلب لي النافذة سوى الريح والفراغ .. تسللت الريح إلى أذني.. والفراغ إلى قلبي.. لا املك منك غير اشياء تركتها .. وتهاوت الاشياء بين يدي .. أبحث بها عنك لكنني لا أراك .. . ها هي ذي مكدسة منذ سنه. مخبئة في حقيبتك الرثة... ما الذي أفعله بهذه الأشياء وهذه الصور؟.. مجرد أوراق باردة ذابلة .. يا طه أنني .. أشعر بالفقدان ..وهل تدرك يا طه أن الفقدان مرير؟ .. هل لامس طعم المرارة اللاذع لسان وقلوب من قتلوك؟ . لماذا قتلوك ما هو ذنبك..؟ لقد عبثت الأيام بعيني.. فماذا فعلت العشرة أشهر بعينيك؟ .. بوجهك.. أما زال جسدك مستقيماً كسنديانة .. أم انحنى لثقل التراب ؟ .. طه ما أجمل اسمك حين كنت أناديك.. وما أجمل اسمي حين كنت تناديني زينب.. كنت اسمع اسمي بعذوبة العالم.. كنت اعشق اسمي حين تخرج حروفه من بين شفتيك.. فيا ترى ماذا فعل التراب بشفتيك...؟ وها إنا مالي سوى اسمك اسمك يا طه حين اغرق بإحزاني أناديك.. وحين ابكي واضحك أناديك. البيت أصبح موحش شخصك ليس بالبيت.. الحياة فارغة البيت يحتاج إلى وجودك.. كل شيء أصبح حزين.. أمي أتعرف يا طه ماذا تفعل أمي.. أصبحت تكتب اسمك على جدران البيت ليبحر دائما في عينيها اسمك..فقط هو ما تملك..تكتبه صغيرا وكبيرا. على كل الجدران.. . وأصبحت.. أراه حين أصحو وحين أرقد.. أنىّ أدرتُ وجهي يبدو لي اسمك أشرعة تمخرُ بي في بحر أشعر انه سيجلبك لي أو يأخذني إليك.. اسمك أشرعتي.. يا طه.
طه لم لا تأتي أيها الغالي.. أتعبتني بغيابك..؟ أصبحت اسلي نفسي بحكايات مجنونه حتى لا اجن. وها إنا انتظر كل يوم ان يطرق الباب وتدخل.. لا تدفعني إلى انتظار مؤجل أخر..تعبت من كثر الانتظار..عيوني أحسها تسقط على الأرض من كثر الانتظار.. ولا خبر منك.. يا روحي التي مزقها فراقك تعال.. يا عيوني التي لا ترى غير رسمك تعال..إما هزك كل هذا الحنين؟ هل نسيت اسم زينب.. أم أنهم أنسوك اسمي .. كم كنت أتمنى ان يستبدل الله روحك بروحي.. ان تكون جراحك هي جراحي .. ماذا لو ان من أصابك أصابني قبلك.. ماذا لو ان هذا اليوم لم يأتي وأنا على قيد الحياة.. ماذا لو انك لم تذهب إلى الوطن.. إي وطن لماذا أصبحت تقتل أبناءك.. لماذا أصبحت تتلذذ بجراحهم.. بغداد حبيبتي.. طه هو أخي هو المقتول بك غدرا. هو المقتول بك رميا.. بغداد حبيبتي .. لقد عاش عمرا على سفر.. واتى عندك يستريح.. بغداد حبيبتي ما افضع هذا الخراب الجميل.. ما أفضع هذا الدمار.. وما احزن جثة أخي الملقاة على رصيف يخترقها رصاص الارهابين.. بغداد لماذا أصبحت إلام الطاغية التي تتربص بأولادها.. بغداد أين الشعراء والصور.. وأين زهوك العطر.. ؟
ها إنا أوصدت النافذة وأيقنت ان طه لن يعود..فلن أسالك بعد اليوم أخي متى تعود..فيا راحلا ادري به ما من عوده.. لك مني السلام.. أخت زينب...
حسين الشمري... 26/3/2005 العين.. أبو ظبي
.