خلافاً لما يحاول البعض إنكاره، فإن إنسان هذه الأرض، قرر منذ زمن الالتحام بها، استمد منها صلابته.. قاسى من قحطها.. وقيظها. حفر بحرها، وارتحل إلى أطرافها. بحثاً عما يسد رمقه، إيماناً بأن الأرض سخرت لبني البشر لإعمارها. عندها كان البعض يرتمي في أحضان طبيعة أكثر كرماً واخضراراً.
رحلة المقيظ كانت إحدى فصول بحث الإنسان عن أنفاس باردة في وسط كومة من الحر.. بينما أقصته قسوة البيئة إلى الأطراف شتاءً ودفعته للداخل احتماءً من طقسها الطارد صيفاً. وبين البيئة ومكوناتها وبين الإنسان ثمّة خيرات،، هي ذكرى وذاكرة وأنفاس باردة.
المقيظ هي رحلات الصيف إلى أطراف المدن، أو الواحات أو الجبال، وفي أقربها إلى النخيل، وعمد الأهالي خلالها إلى التشبث بجمال الحياة والتغني بتفاصيلها تحت شمس نحتت مساراتها على جلودهم. وجعلت بصمتها عنواناً لصبغتهم الحنطية. بينما المساءات كانت أكثر حناناً. احتفت بلياليهم الصيفية على كثبان أو على رؤوس جبال .. أو حتى سواحل .. كانت ملاذاً في رحلة المقيظ.
النزوح برضاً نحو المصائف، أدى للالتصاق بمناطق عدة على خارطة هذه الأرض، أولها مدينة العين، أو ما درج الأهالي على تسميته «عمان» - استناداً لقربها من سلطنة عمان- باعتبارها واحةً تنحسر فيها موجات الرطوبة، وتجود أرضها بالطيبات من الثمار. فكان المقيظ احتفاءً بصيف أخف وطأة، واحتفالاً بهدايا النخيل من الرطب، عريس المائدة، وثمار «همبا» المانجو، الباطنة.. هي سمة الرحلات الصيفية آنذاك..
التحام
كانت الجبال كذلك ملاذاً من براثن الحر، فاحتضن الساحل الشرقي -الذي تماهت على أرضه الجبال والشواطئ - «غمضه» إحدى المصائف على سفوح الجبال، وكذلك سواحل رأس الخيمة، في منطقة «خران» كانت شاهداً على ذلك النزوح المسرور، أما من لم يحظ برحلات المقيظ الطويلة. فاستسلم لعريش عند النخيل.. متصالحاً مع أرض هو جزءُ منها وأن جادت بالقليل.
إلى المقيظ ارتحل الأهالي ذات صيف وعادوا بعد انقضائه في رحلة تتوالى فصولها على مدار العمر. فكان الزحف صيفاً والعودة على أبواب الخريف. مستعدين لتقلب الفصول مبدين تأقلماً قل نظيره.. أو كما قال المثل «يدخلون بلحاف ويظهرون بمهاف». أي مراوح التهوية اليدوية للدلالة على دخول الصيف. هم أيضاً نسجوا في وداع تلك الرحلات شعراً .. انسكب على سطح صفحات الماء.. متغلغلاً في تفاصيل الحياة اليومية:
يعلكم في الحفظ ياسيرة وديمة.. في البحر وإلا على ظهور الركايب
شوف عيني يو ركبوا ف الستيمه .. والبحر من دونهم سوا حظايب
هكذا ارتحلوا على ظهور الدواب أو في حضن السفن، حيث كانوا .. جزءاً من الأرض التي تغنوا بها .. واستسلموا لأمزجتها بحب.
المقيظ فصل يأتي من الماضي، بعيد عن الرفاهية والغرائب.. اكتفى بتوفير احتياجات الإنسان الأساسية. عودة إلى الوراء البعيد، وفي فترات متباينة من الدولة الإسلامية، اتسمت الرحلات ببُعد ثقافي. فعلى ما يبدو كلما انزلقنا بسرعة نحو الحياة الرقمية، فقدنا نكهة الأشياء ومكنوناتها، كان وقتها للسفر أدب. دلالةً على قيمته الثقافية والحضارية، رغم مشقة ما كان يتحمله المسافرون، والوقت الذي تستغرقه الرحلات. بينما اليوم يصوره البعض بقصد أو دون قصد على أنه ترفيه باذخ. يعكسون خلاله سلوكيات تبتعد عن الحضارة أسفاراً بعيدة.
وفي مراحل متقاربة جمع المؤرخون مشاهدات الرحالة ووصفهم لأسفارهم فيما سُمي لاحقاً بأدب الرحلات، وأشهر من كتب في ذلك، الرحالة أحمد بن فضلان في رحلته إلى شمال الأطلنطي، ومغامراته مع محاربي «الفايكينغ». والرحالة ابن جبير في رحلته إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويُعد ما كتبه ابن جُبير صفوة الأدب في هذا المجال، لما امتاز به من رشاقة في العبارة ووصف دقيق وأسلوب أدبي رائع.
سيما خلال رحلته إلى الأراضي المقدسة، حيث وصف خلالها الحرم المكي بصورة تفيض روحانية وبلاغة وبراعة، وكأنه يقدم للقارئ بالكلمات مشهداً متحركاً، بدءاً من الأسواق المؤدية للحرم.. مشياً نحو أبوابه بمسمياتها.. وصولاً إلى أركان الكعبة عبر صورة ثلاثية الأبعاد انتصرت فيها المفردة الجميلة على ألف صورة. ومنها أيضاً رحلة ابن بطوطة إلى أماكن مختلفة من المعمورة، حيث اتسمت رحلته بالطول والطرافة، فيقال إنه تزوج خلالها ما يزيد على عشر نسوة في مختلف رحلاته. والتي تداولها الناس كأشهر ما كتب في أدب الرحلات.
«صوغة»
اليوم .. المصائف مفهوم أوسع تجاوز المقيظ إلى أطراف الأرض، فتعرف الأهالي بعد تلك الرحلات إلى السفر بالسيارة، والطائرة. وسلكوا طرقاً أكثر حضارة. فبين شبه القارة الهندية التي ارتحل إليها «الشواب» في رحلات الزواج الجماعي وسلة من الفواكه التي اختصرتها الدول العربية . بزغت أوروبا بوجهها الأكثر نضارة حتى أصبحت الوجهة المفضلة لمن ينشد الرقي والمظاهر الاجتماعية الخلابة.
وبين رطب المقيظ وأدب الرحالة. هناك حتماً شبه. فكلاهما «صوغة» (هدية) المسافرين. وكلاهما غذاء.. الأولى للجسد والأخرى للروح. أما اليوم فلا «صوغة» يمكن أن توازي فرحة الأهالي بالرطب. أو وزن كتاب ابن جبير في المكتبة العربية. هناك ماركات على الرفوف .. تستأثر بالاهتمام، وتعزف على أوتار الجيوب الخاوية. بينما يبقى البعد الثقافي في الأسفار شأناً مُهملاً.